بعد التقاعد، رجعت أبحث في ذاكرتي، عن قريتي الريفية * في حلقات *

الكاتب AHMED AANIBA بتاريخ 01/04/2023 على الساعة 02:09 - 120 مشاهدة

الحلقة الاولى يوميات-متقاعد-480x600بعد التقاعد، رجعت أبحث في ذاكرتي، عن قريتي الريفية . هاجرت منها كبقية أبنائها. عُدنا عبر بوابة عشق قديم عشناه. حرك ودفع نحو تجميل الصور القديمة. عُدنا إلى المهارات التراثية التي كنّا نعرف، فلم نجدها.

الزراعة جذورنا الأصلية نحن سكان الريف. عشناها وعرفناها صغارا. أيقظنا سبات جذورها. جعلناها (زراعة المتقاعدين). جاءت في الوقت الضائع من العمر. زراعة عرجاء بفضل جيل متقاعد أعرج الهيكل العظمي بفعل التقادم. لكنها بفكر يسعى للارتكاز على شيء يسند محور وقته بعد التقاعد.
هكذا وجدنا أنفسنا مع (زراعة المتقاعدين). لا نعرف هل هي لتضييع الوقت؟ أم لحرق المال؟ أم لتوريط الورثة؟ أم لها جميعها؟ .

مهنة سهلة، تشد نحو أرض عرفنا قيمتها وأهميتها أيام طفولتنا. عشنا كل تراكم موروثها ومهاراتها قبل أن تنقرض وسائلها وأدواتها من الوجود. ظلت في ذاكرتنا صور حية تمثل تفاعلًا بين الإنسان والتربة والماء. ماذا نريد؟ هل نعيد لأنفسنا حديث السندباد؟
أتعجب كيف أصبحنا -كجيل- في زمن قياسي علماء، وأطباء، ومعلمين، ومهندسين، ورجال أعمال، وفنيين، وعسكريين بأعلى الرتب. ساهمنا في بناء وطن عظيم. تعلّمنا في أرقى الجامعات . كنّا أبناء لآباء لا يقرؤون ولا يكتبون. كنّا وما زلنا أبناء دولة تصرف على تعليمنا بسخاء. كنّا جيلًا استثمر طفرة التغيير. كنّا الجيل المخضرم بين عقل منغلق وعقل منفتح. تركنا خلفنا في مسيرة التغيير كل ما وصل إلى آبائنا، من كنوز مهارية تراكمية تقليدية ثابتة في نظمها، مكنتهم وساعدتهم لقرون طويلة على البقاء في حضارة الرمق الأخير. قوت لا يموت.
أصبحنا نقرأ، نكتب، نتعلم، وننافس. أسسنا لحضارة حديثة جديدة. تفاعلنا معها بثبات، وبقيم ومكارم أخلاق الآباء. ثم وجدنا أنفسنا فجأة متقاعدين في سن الستين دون عمل. صحيح وضع مريح برواتب تقاعدية. لكن بوقت طويل ضائع لم نتعود عليه. فانصرف البعض إلى ماضٍ يعيش في ذاكرته. يستلهم أملًا جديدًا. حرك التقاعد البحث عنه في كل مجال. منهم -كمثال- من تحوّل إلى رعي الغنم. منهم مَن تحول إلى تربية النحل. منهم من رجع إلى الزراعة. هكذا في كل مجال انجذبوا إلى خبرة الطفولة والصبا.
الهدف أمام كل متقاعد أن يشغل وقته بشيء يراه مفيدًا لنفسه أولًا، وثانيًا، وثالثًا. إنها الكرامة. لا يرغب الاستسلام لوضع لم يألفه. شغل الدنيا من حوله بتحركات لا تستكن. أصبح البيت عنده محطة استراحة. يكد ويعمل منذ طفولته. فكيف يقعد حبيسًا بين جدرانه بعد هذا العمر من الكفاح، والنضال، والمشاركة، والتفاعل خارج البيت مع الحياة؟ وضع جديد قادنا كمتقاعدين للتحرك للفكاك من قبضته. كل بطريقته التي يراها تحقق سعادته، وذاته بعد التقاعد. إنه إعلان ببقاء الهمة، وقوة الشكيمة والشغف. هل خدعنا أنفسنا بأننا ما زلنا قادرين؟ بالتأكيد لم يتم تدريبنا على الحياة بعد التقاعد. فبدأنا تجاربنا الخاصة ونحن ندرك أنها خاسرة.
بعضنا حقق مكاسب مادية قبل التقاعد. أصبحت حملا ثقيلا على بعض هذا البعض. لا يدري ماذا يفعل بها. فانفتح مصراع الرجولة والمرجلة المحفور في ذاكرة عنفوان صبى الماضي.

هذا قاد إلى قناعة الإنفاق بسخاء على زراعة الأراضي التي تصحّرت وتهدمت مع بيتوها الحجرية. عُدنا فغرسنا أنفسنا في تربتها أحياء. بها نتطلع إلى المفقود. ننتظر هطول كلمات مديح بعضنا بعض. كأننا بهذا التصرف نمد خيوط جيلنا نحو أجيال الآباء تحت الأرض. ونقدم ما نفعله للأبناء فوق سطحها. نتجاهل ونغض الطرف عن معرفتنا بأنهم يعيشون عشق الهرولة نحو مستقبل لا يخصنا. لم يعُد يصلح لنا. ما نفعله كمتقاعدين -أيضًا- لا يخصهم ولا يصلح لهم.



مواضيع من نفس القائمة

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.