اخر الأخبار

الجديدة والفرس.. حكاية عشق متجذرة في التاريخ ورهان على صون الذاكرة وصناعة المستقبل

الكاتب AHMED AANIBA بتاريخ 10/10/2026 على الساعة 14:30 - 253 مشاهدة

أحمد اعنيبة

من عبق الفروسية التقليدية إلى إشعاع معرض الفرس بالجديدة، تظل العلاقة بين المدينة والخيل أكثر من مجرد احتفاء بتراث عريق؛ إنها قصة هوية وذاكرة جماعية، وجسر يربط أصالة الماضي برهانات التنمية الثقافية والسياحية والاقتصادية.

ليست مدينة الجديدة مجرد حاضرة ساحلية تطل على المحيط الأطلسي، ولا مجرد فضاء عمراني تختزن أسواره البرتغالية فصولا من التاريخ، بل هي أيضا أرض ارتبط اسمها، عبر عقود طويلة، بعلاقة استثنائية مع الفرس والفروسية، علاقة تتجاوز حدود الفرجة الموسمية لتلامس عمق الهوية المغربية، وامتداد الذاكرة الشعبية، ومكانة الخيل في الوجدان الجماعي للمغاربة.

وفي الجديدة، حيث يلتقي البحر بسهول دكالة، وتتجاور الذاكرة التاريخية مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية، يكتسب الفرس مكانة خاصة باعتباره رمزا للشموخ والأصالة والشجاعة، وعنصرا من عناصر التراث اللامادي الذي تناقلته الأجيال، وحافظت عليه القبائل والعائلات والفرسان ومربو الخيول، جيلا بعد جيل.

ومن هنا تنبع أهمية شعار «الجديدة والفرس»، الذي لا ينبغي اختزاله في عنوان احتفالي أو موضوع ظرفي، بل يتعين النظر إليه باعتباره مدخلا لإعادة اكتشاف العلاقة بين المجال الترابي وموروثه الثقافي، وفرصة للتفكير في كيفية تحويل هذا الرصيد التاريخي والرمزي إلى رافعة مستدامة للإشعاع السياحي والاقتصادي والثقافي للمدينة والإقليم.

الفرس في ذاكرة دكالة.. أكثر من وسيلة تنقل

احتل الفرس مكانة بارزة في التاريخ الاجتماعي للمغرب، حيث ارتبط بالحروب والتنقل والصيد ومظاهر السلطة والوجاهة، كما شكل جزءا من الحياة اليومية والاقتصادية لمجتمعات ريفية واسعة. وفي منطقة دكالة، التي عرفت تاريخيا بحضورها الفلاحي وبامتداد سهولها وارتباط سكانها بالأرض، ظل الفرس حاضرا في الذاكرة المحلية، سواء من خلال تقاليد الفروسية أو الاحتفالات الجماعية أو المواسم التي تجمع بين البعد الديني والاجتماعي والتراثي.

ولم تكن الفروسية التقليدية مجرد استعراض للقوة أو مهارة في التحكم في الخيل، بل كانت مدرسة للقيم، يتعلم فيها الفارس الانضباط والشجاعة والتنسيق وتحمل المسؤولية، وتنتقل عبرها معارف دقيقة تتعلق بتربية الخيول والعناية بها وتجهيزها وتدريبها.

ومن هذا المنظور، يصبح الفرس شاهدا على تحولات المجتمع المغربي، من زمن كانت فيه الخيول عنصرا أساسيا في الحياة اليومية إلى مرحلة أضحت فيها الفروسية مكونا من مكونات التراث الثقافي الذي يتطلب التوثيق والحماية والتثمين.

كما أن حضور الفرس في الذاكرة الشعبية، وفي الأمثال والأهازيج واللباس التقليدي وطقوس الاحتفال، يعكس مكانته الرمزية داخل الثقافة المغربية، حيث ارتبط بالنبل والكرامة والاعتزاز بالنفس، وبقيم الفروسية التي لا تزال تستحضر في المناسبات الوطنية والاجتماعية.

إن الحديث عن الجديدة والفرس هو، في العمق، حديث عن جزء من الذاكرة الجماعية لدكالة، وعن ضرورة صون هذا الموروث من النسيان، من خلال توثيقه ونقله إلى الأجيال الجديدة، بعيدا عن التعامل معه باعتباره مجرد صورة جميلة تستحضر خلال المناسبات الكبرى.

معرض الفرس بالجديدة.. موعد وطني بإشعاع دولي

شكل احتضان مدينة الجديدة لمعرض الفرس إحدى أبرز المحطات التي عززت حضورها في خريطة التظاهرات الثقافية والاقتصادية المرتبطة بعالم الخيل. فقد أتاح هذا الموعد فضاء للتعريف بمختلف سلالات الخيول، وإبراز تقاليد الفروسية المغربية، والتقاء المهنيين والمربين والباحثين والمهتمين من داخل المغرب وخارجه.

ومن خلال ما يتيحه من عروض ومسابقات وأنشطة مهنية وثقافية، أصبح المعرض مناسبة لاستحضار مكانة الخيل في الحضارة المغربية، ولإبراز الخبرة المتراكمة في مجالات التربية والترويض والتدريب والعناية الصحية، فضلا عن التعريف بالتخصصات المختلفة المرتبطة بالفروسية.

وتكمن أهمية هذه التظاهرة في كونها تجمع بين البعد التراثي والبعد الاقتصادي؛ فالفرس ليس مجرد موضوع للعرض، بل يرتبط بمنظومة مهنية متكاملة تشمل مربي الخيول، والأطباء البيطريين، ومهنيي التغذية، وصناع السروج واللوازم التقليدية، والمدربين، والفرسان، ومختلف الخدمات التي تواكب هذا القطاع.

كما يمنح المعرض مدينة الجديدة فرصة متجددة لتسويق صورتها باعتبارها فضاء قادرا على احتضان تظاهرات ذات قيمة مضافة، تجمع بين الأصالة والتنظيم الحديث، وتستقطب الزوار والمهنيين، وتفتح المجال أمام مبادرات التعاون وتبادل الخبرات.

غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في نجاح أيام المعرض وحدها، بل في قدرة المدينة على الاستفادة من هذا الموعد طوال السنة، عبر بناء عرض سياحي وثقافي متكامل يجعل من الفروسية إحدى العلامات المميزة لهوية الجديدة.

الفروسية التقليدية.. ذاكرة حية تتناقلها الأجيال

تحتل التبوريدة مكانة مركزية في المخيال الثقافي المغربي، باعتبارها أحد أبرز أشكال الفروسية التقليدية التي تجمع بين مهارة الفارس وانضباط المجموعة وجمالية اللباس التقليدي ودقة الأداء الجماعي.

وفي عروض التبوريدة، لا يتعلق الأمر بمجرد ركوب الخيل أو إطلاق البارود في نهاية الاستعراض، وإنما بمنظومة من القواعد والأعراف التي تتطلب تدريبا متواصلا، وتنسيقا دقيقا بين الفرسان، وعناية بالخيول، والتزاما بتقاليد متوارثة.

وتستحضر هذه الممارسة صفحات من التاريخ الاجتماعي للمغرب، وتبرز العلاقة التي نسجها الإنسان مع الفرس عبر الزمن، كما تعكس قدرة المجتمعات المحلية على المحافظة على عناصر من تراثها، رغم التحولات المتسارعة التي تعرفها أنماط العيش.

وتكتسب منطقة دكالة أهمية خاصة في هذا السياق، بالنظر إلى حضور الفروسية في مواسمها واحتفالاتها، وما تمثله من تعبير عن الانتماء المحلي والاعتزاز بالتقاليد. لذلك فإن تثمين الفروسية بالجديدة لا يمكن أن يكتمل دون الإنصات إلى الفرسان ومربي الخيول، والاعتراف بالدور الذي تضطلع به الأسر والفرق المحلية في الحفاظ على هذا الموروث.

ومن الضروري كذلك تشجيع البحث الميداني في تاريخ الفروسية بالمنطقة، وجمع الروايات الشفوية والصور والوثائق القديمة، وتوثيق أسماء الفرسان والفرق التي ساهمت في استمرار هذه التقاليد، حتى لا تضيع تفاصيل مهمة من الذاكرة المحلية مع مرور الزمن.

الجديدة.. بين التراث البحري والتراث الفروسي

تتميز الجديدة بتعدد روافد هويتها؛ فهي مدينة البحر والشواطئ، ومدينة الذاكرة البرتغالية التي تجسدها المدينة العتيقة وأسوارها التاريخية، كما أنها بوابة نحو المجال الفلاحي لدكالة، بما يحمله من خصوصيات ثقافية واجتماعية واقتصادية.

ويمنح هذا التنوع المدينة إمكانات مهمة لبناء عرض سياحي متكامل، لا يقتصر على فصل الصيف أو السياحة الشاطئية، بل يمتد إلى السياحة الثقافية والرياضية والتراثية، ويستثمر مختلف المؤهلات التي تزخر بها المنطقة.

وفي هذا الإطار، يمكن للفروسية أن تشكل حلقة وصل بين المدينة ومحيطها القروي، وبين التراث المادي واللامادي، وبين الزائر الذي يبحث عن الاستجمام والسائح الذي يرغب في اكتشاف الثقافة المحلية.

فمن يزور الجديدة يمكن أن يكتشف أسوارها التاريخية ومآثرها المعمارية، ويستمتع بشواطئها، ويتعرف على المنتوجات المحلية لدكالة، ويكتشف في الوقت نفسه عالم الخيل والفروسية التقليدية، بما يتضمنه من حرف ومهارات وعادات وأشكال تعبير فني.

وهذا التكامل من شأنه أن يساهم في إطالة مدة إقامة الزوار، وتوسيع دائرة المستفيدين من النشاط السياحي، وخلق فرص إضافية لفائدة الفاعلين المحليين، من أصحاب الفنادق والمطاعم ووكالات الأسفار والحرفيين والتعاونيات والمرشدين السياحيين.

لكن تحقيق هذه الأهداف يظل رهينا بوجود رؤية واضحة تربط بين مختلف المكونات، وتعمل على تجاوز منطق المناسبات المنعزلة نحو سياسة ترابية مستدامة تجعل من التراث رافعة للتنمية.

من الفرجة إلى التنمية.. كيف تستفيد المدينة من ثروتها الرمزية؟

تطرح العلاقة بين الجديدة والفرس سؤالا أساسيا يتعلق بكيفية تحويل الرصيد التراثي إلى قيمة اقتصادية واجتماعية ملموسة. فالتظاهرات الكبرى، مهما بلغت أهميتها، لا ينبغي أن تظل محصورة في أيام محدودة، بل يفترض أن تترك آثارا إيجابية تستمر بعد انتهائها.

ومن بين المبادرات الممكنة، تطوير مسارات سياحية تربط بين المواقع التاريخية بالمدينة والفضاءات المرتبطة بالفروسية في محيطها، وتنظيم لقاءات ثقافية حول تاريخ الخيل بالمغرب، وإقامة معارض للصور والوثائق واللوازم التقليدية، وإطلاق برامج تربوية موجهة إلى الأطفال والشباب للتعريف بعالم الفروسية وقيمه.

كما يمكن التفكير في إحداث فضاء دائم للتعريف بالفرس والفروسية بمنطقة الجديدة، يحتضن معروضات توثيقية وبرامج تعليمية ولقاءات مع المهنيين، ويساهم في حفظ الذاكرة المحلية ونقلها إلى الأجيال المقبلة.

ويمكن أيضا تشجيع الصناعات التقليدية المرتبطة بالخيل، ولا سيما صناعة السروج وتجهيزات الفروسية والمنتجات الجلدية، من خلال توفير فضاءات للتسويق والتكوين، وربط الحرفيين بالمعارض والتظاهرات المهنية، بما يعزز فرص العمل ويحافظ على مهارات مهددة بالتراجع.

ولا يقل البعد العلمي أهمية عن البعد السياحي؛ إذ إن توثيق تاريخ الفروسية في دكالة، ودراسة تطور تربية الخيول والعادات المرتبطة بها، يمكن أن يفتح المجال أمام بحوث جامعية ومنشورات متخصصة وأرشيف محلي يساهم في بناء معرفة دقيقة بتاريخ المنطقة.

إن الرهان هنا ليس تحويل التراث إلى سلعة تجارية، وإنما إيجاد توازن بين المحافظة على أصالته واستثمار إمكاناته التنموية، مع ضمان استفادة الساكنة المحلية والفاعلين الذين يسهرون على استمراره.

الفرسان ومربو الخيول.. الفاعلون الذين يصنعون الاستمرارية

خلف الصورة الاحتفالية التي تقدمها عروض الفروسية، توجد جهود يومية لا تحظى دائما بما تستحقه من اهتمام. فتربية الخيل تتطلب معرفة دقيقة وموارد مالية وجهدا مستمرا، كما أن إعداد الفرس للمشاركة في العروض والمنافسات يحتاج إلى وقت وتدريب وعناية صحية وغذائية.

ويتحمل الفرسان ومربو الخيول مسؤولية المحافظة على جانب أساسي من هذا التراث، لكن استمرارية جهودهم تقتضي توفير شروط أفضل للتكوين والمواكبة، وتسهيل مشاركتهم في التظاهرات، وتعزيز حضورهم في برامج التعريف بالتراث المحلي.

كما ينبغي أن تحظى الفرق التقليدية والمبادرات المحلية بمكانة داخل الرؤية الثقافية والسياحية للمدينة، لا باعتبارها مجرد عناصر لتنشيط المناسبات، وإنما باعتبارها حاملة لمعارف وخبرات تستحق التقدير والتوثيق والتطوير.

ومن شأن إشراك هؤلاء الفاعلين في إعداد البرامج الثقافية المرتبطة بالفرس أن يضمن ارتباط المبادرات الجديدة بالواقع المحلي، وأن يحول دون تقديم الفروسية في صورة منفصلة عن جذورها الاجتماعية والثقافية.

فالحفاظ على التراث لا يتحقق بالاحتفاء بمظاهره الخارجية فقط، بل يبدأ من حماية الأشخاص الذين يحملونه، والاعتراف بمساهماتهم، ونقل معارفهم، وفتح المجال أمام الشباب للانخراط فيه.

مسؤولية المؤسسات.. نحو رؤية مشتركة للجديدة والفرس

إن تثمين العلاقة بين الجديدة والفرس مسؤولية مشتركة تتقاطع فيها أدوار الجماعات الترابية والقطاعات الحكومية والمؤسسات الثقافية والسياحية والهيئات المهنية والمجتمع المدني والجامعة ووسائل الإعلام.

فالمدينة تحتاج إلى رؤية تتجاوز التدبير الظرفي للمناسبات، وتربط بين الاستثمار الثقافي والتخطيط الحضري والتنمية السياحية والتكوين المهني، بما يضمن استدامة المشاريع ووضوح أهدافها ومردوديتها.

ويمكن للجماعات الترابية أن تسهم في إدماج الفروسية ضمن برامج التنشيط الثقافي والسياحي، فيما تستطيع المؤسسات المعنية بالثقافة والتراث دعم عمليات التوثيق والتعريف بالممارسات التقليدية، وتطوير الشراكات التي تتيح للباحثين والمهنيين والفاعلين المحليين العمل المشترك.

أما المؤسسات التعليمية والجامعية، فيمكنها أن تجعل من تاريخ الفروسية بالمنطقة موضوعا للبحث والدراسة، وأن تنظم أنشطة تربوية تسهم في تقريب الأجيال الجديدة من تراثها المحلي.

ويظل الإعلام بدوره شريكا أساسيا في هذا المسار، من خلال الانتقال من التغطية الإخبارية الموسمية إلى إنتاج محتوى صحفي وثقافي يوثق تاريخ الفروسية، ويبرز تجارب الفرسان ومربي الخيول، ويتابع المشاريع المرتبطة بتثمين هذا الموروث، ويطرح أسئلة الحكامة والنجاعة والاستدامة.

فالإشعاع الحقيقي لأي تظاهرة لا يقاس فقط بعدد زوارها أو حجم الاهتمام الذي تحظى به خلال انعقادها، بل كذلك بقدرتها على إنتاج معرفة جديدة، وتحريك الاقتصاد المحلي، وتطوير الكفاءات، وترسيخ صورة إيجابية ومستدامة للمدينة.

الإعلام المحلي.. شريك في صناعة الذاكرة

تكتسب الصحافة المحلية أهمية خاصة في التعريف بالموروث الثقافي والتراثي للمدن، لأنها الأقرب إلى تفاصيل الحياة اليومية، والأقدر على تتبع التحولات التي تعرفها الجماعات والمجتمعات المحلية.

وفي موضوع الجديدة والفرس، لا تقتصر مهمة الإعلام على الإعلان عن موعد معرض الفرس أو نقل نتائج المسابقات، بل تشمل فتح نقاش عمومي حول تاريخ الفروسية بدكالة، وشهادات الفاعلين، والتحولات التي عرفتها تربية الخيل، والفرص التي يتيحها هذا المجال للتنمية الثقافية والسياحية.

كما يمكن للصحافة أن تساهم في بناء أرشيف محلي يوثق الوجوه والتجارب والمحطات التي طبعت تاريخ الفروسية بالمنطقة، وأن تمنح مساحة للأجيال القديمة والجديدة من الفرسان، بما يسمح بنقل الذاكرة من التداول الشفهي إلى التوثيق المنظم.

ومن هذا المنطلق، فإن تناول موضوع «الجديدة والفرس» في إطار مبادرات إعلامية وثقافية متخصصة يفتح المجال أمام إنتاج صحفي يتجاوز الاستهلاك الإخباري السريع، نحو أعمال استقصائية وتوثيقية تعيد الاعتبار للتراث المحلي وتبرز قيمته الوطنية.

كما يشكل ذلك فرصة لتعزيز موقع الصحافة الجهوية باعتبارها شريكا في التنمية، لا مجرد ناقل للأحداث، وذلك عبر إنتاج محتوى مهني يربط بين الثقافة والاقتصاد والمجتمع، ويضع قضايا المدينة ومؤهلاتها في صلب النقاش العمومي.

الجديدة والفرس.. رهان الأجيال المقبلة

إن مستقبل العلاقة بين الجديدة والفرس لا يتوقف على استحضار الماضي أو الاحتفاء به، بل يرتبط بقدرة الحاضر على تحويل هذا الإرث إلى مشروع ثقافي وتنموي يستوعب تطلعات الأجيال الجديدة.

فالشباب مدعوون إلى اكتشاف الفروسية باعتبارها ممارسة ثقافية ورياضية وتاريخية، وليس فقط باعتبارها مشهدا تقليديا ينتمي إلى زمن مضى. كما أن الانفتاح على الوسائط الرقمية وتقنيات التوثيق الحديثة يتيح إمكانات واسعة للتعريف بالخيول المغربية، وتاريخ الفروسية بدكالة، وشخصياتها وتجاربها.

ويمكن، في هذا الإطار، تطوير منصات رقمية وأرشيفات مصورة ومسارات تعليمية تفاعلية، إلى جانب تشجيع الإنتاج الوثائقي والسينمائي الذي يوثق العلاقة بين الإنسان والفرس، ويبرز خصوصية المنطقة داخل المشهد الثقافي المغربي.

غير أن كل هذه المبادرات تظل في حاجة إلى رؤية مؤسساتية واضحة، وإلى شراكات عملية، وإلى إشراك المجتمع المحلي في تحديد الأولويات، حتى لا يبقى التراث موضوعا للاستهلاك الموسمي، بل يتحول إلى مورد ثقافي واقتصادي مستدام.

إن الجديدة، بما تختزنه من تاريخ بحري ومعماري وفلاحي وثقافي، قادرة على بناء نموذج متكامل لتثمين تراثها، يكون فيه الفرس أحد أبرز مكونات الهوية المحلية، وعنصرا فاعلا في تعزيز جاذبية المدينة وربطها بمحيطها الوطني والدولي.

خاتمة: حين يصبح الفرس عنوانا لهوية مدينة

في نهاية المطاف، ليست العلاقة بين الجديدة والفرس مجرد تقاطع بين مكان وتظاهرة، ولا مجرد ارتباط بين مدينة ومعرض سنوي، بل هي حكاية ممتدة تتداخل فيها الذاكرة بالتقاليد، والهوية بالتنمية، والأصالة بتطلعات المستقبل.

إن الفرس الذي ظل حاضرا في وجدان المغاربة باعتباره رمزا للشجاعة والنبل والاعتزاز، يستطيع اليوم أن يؤدي دورا جديدا في التعريف بالمؤهلات الثقافية لمدينة الجديدة، شريطة أن تقترن مظاهر الاحتفاء به بمشاريع عملية تحفظ تراثه، وتدعم الفاعلين المرتبطين به، وتفتح أمامه آفاقا جديدة في السياحة والثقافة والبحث العلمي.

ومن هنا، فإن شعار «الجديدة والفرس» يستحق أن يتحول إلى مشروع متكامل، تتقاطع فيه جهود المؤسسات والمهنيين والفرسان والباحثين والإعلام، من أجل جعل الفروسية جزءا حيا من التنمية الترابية، لا مجرد مشهد عابر في روزنامة التظاهرات.

فالجديدة لا تحتاج فقط إلى أن تستقبل زوارها للاحتفاء بالفرس، بل إلى أن تجعل من هذا الموروث جسرا نحو المستقبل؛ مستقبل يصون الذاكرة، ويكرم حامليها، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف جذورها، ويعزز مكانة المدينة باعتبارها إحدى الحواضر المغربية التي تملك من التاريخ والثقافة والمؤهلات ما يؤهلها لصناعة إشعاع مستدام.

الجديدة والفرس.. حين تتحول الفروسية من ذاكرة الماضي إلى رهان المستقبل، ومن موروث تتناقله الأجيال إلى قيمة مضافة في مسار التنمية والإشعاع الترابي.



مواضيع من نفس القائمة

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.